معركة حي القطمون

من ذاكرة القدس
اذهب إلى: تصفح، ابحث

معركة حي القطمون

بدأ اليهود في أواخر شهر نيسان / ابريل 1948بتنفيذ خطة(Jevussi)لاحتلال جميع مدينة القدس قبل انتهاء الانتداب . وفي إطار هذه الخطة ، وكما أشرت ، قاموا بهجوم يهدف إلى احتلال مرتفع النبي صموئيل الاستراتيجي مروراً ب قرية شعفاط و قرية بيت إكسا والاتصال ب مستعمرة نفي يعقوب ، وقد فشل هذا الهجوم . كما قاموا بهجوم ثان على حي المصرارة و حي الشيخ جراح ، لاحتلال حي الشيخ جراح والاتصال بمجمع هداسا و الجامعة العبرية والامتداد إلى جبل الطور ، وفشل هذا الهجوم أيضاً.

وابتداءً من 27نيسان / ابريل 1948 شرعوا بشن هجوم مركز على حي القطمون جنوبي القدس مصممين على احتلاله . وكان حي القطمون أحدث وأرقى أحياء القدس العربية ، ويقع على مرتفع يواجه من الشمال التجمع اليهودي الرئيسي في الأحياء الغربية ، ابتداءً من حي رحافيا ، ويحمي خلفه معظم الأحياء العربية الجديدة مثل البقعة الفوقا ، و البقعة التحتا ، ويعزل المستعمرات اليهودية في جنوبي القدس ، وهي ميكور حاييم و تالبيوت و رامات راحيل .

وكان اليهود هاجموا حي القطمون عدة مرات خلال آذار /مارس ونيسان /ابريل وتمكنوا من احتلال عدة منازل ومرتفعات تتحكم بالمنطقة وتحصنوا في عمارة زلبر شتاين الكبيرة ، كما تمكنوا من قطع خطوط الهاتف والكهرباء عن الحي ، وشلوا مواصلاته ومواصلات الأحياء العربية المجاورة حتى أصبحت شبه مقطوعة عن القدس مما أدى إلى رحيل معظم سكانها .

وكانت حامية الحي سرية من أبطال جيش الجهاد المقدس يبلغ عددها 130 رجلاً يقودها المناضل الشجاع إبراهيم أبو دية ، وقد صمدت هذه السرية أمام هجمات متلاحقة وقوات متفوقة طوال آذار /مارس ونيسان /ابريل وقدمت العديد من الشهداء . وفي 27 نيسان / ابريل وحتى 29 نيسان / ابريل هاجم اليهود الحي بموجات متلاحقة من قوات البلماح وسقط من المناضلين العديد من الشهداء والجرحى ، وبلغ عدد الشهداء يوم 29 نيسان /ابريل وحده 35 شهيداً . وفي غمرة القتال انضم إلى حامية القطمون نحو 60 مقاتلاً من كتيبة جيش الانقاذ المتمركزة في مدينة القدس القديمة بقيادة الرئيس فاضل عبد الله رشيد ، ولكنهم كانوا يجهلون طبيعة الأرض ولذلك لم يلبثوا أن انسحبوا بعد ليلة واحدة .كما أن قنصليات مصر والعراق وسوريا ولبنان كانت تقع في هذا الحي ويحرسها بعض الجنود المصريين واللبنانيين ، وكان نحو الثلاثين جندياً من الجيش الأردني مزودين بثلاث مصفحات يحرسون القنصلية العراقية ، وحاولوا أن يساندوا المناضلين في المعركة لكنهم لم يلبثوا أن انسحبوا بناء على أوامر قيادة الجيش البريطاني .

وفي ليلة 29ـ 30 نيسان / ابريل تحركت قوة كبيرة من جنود البلماح باتجاه دير سمعان الذي يقوم على مرتفع استراتيجي وسط حرج كثيف خلف خطوط المناضلين . وكان العرب يقدرون أهمية هذا الدير الاستراتيجية ولكنهم لم يحاولوا أن يحتلوه محافظة على حرمته وحرمة راهباته . وقد سلكت القوات اليهودية درباً وعرة والتفت على الدير تحت جنح الظلام وتمكنت من احتلال الحرج بعد معركة قصيرة . لكن المناضلين العرب طوقوا المنطقة ومنعوا اليهود من التقدم . وفي الصباح دخل اليهود إلى بناية الدير وتحصنوا فيها . غير أن المناضلين شددوا ضغطهم على اليهود المتحصنين في الدير الذين أصبحوا شبه محاصرين ، وسقط من اليهود عدد كبير من القتلى والجرحى لم يكن بالامكان نقلهم ، ولذلك قرر قائدهم أن ينسحب من الدير بعد حلول الظلام . وبعد ظهر30 نيسان / ابريل شن العرب هجوماً جديداً على الديرو شددوا ضغطهم ولكنهم لم يتمكنوا من اقتحامه .

وفي المساء التقط اليهود المحاصرون مخاطبة لاسلكية بين العرب فهموا منها أن العرب أصبحوا يائسين من احتلال الدير ، فعدل اليهود عن الانسحاب خصوصاً بعد أن بدأت تصلهم قوات جديدة من البلماح شقت طريقها من بيت إلى بيت حتى اتصلت بمن في الدير وحلت محلهم .

وفي صباح الأول من أيار / مايو 1948 واصلت قوات البلماح تقدمها مستعينة بسبع مصفحات حتى وصلت إلى مركز قيادة الحي العربية عند فندق جدع واتصلت بمستعمرة ميكور حاييم . وبذلك سيطرت على الحي بأكمله . وفي اليوم التالي أي في الثاني من أيار / مايو 1948 أحضرالقائد إبراهيم أبو دية نجدة للقيام بهجوم معاكس مع إنه كان جريحاً ، لكنه غادر مستشفى بيت صفافا وأخذ يقود رجاله . وقامت مدفعية جيش الانقاذ بقصف أحياء القدس الغربية من مرتفعات النبي صموئيل و قرية بدو شمالي القدس ، ولكن النجدة لم تتمكن من تغيير الوضع لأن الانكليز المتمركزين في المنطقة المعروفة باسم منطقة الأمن الأولى منعوا النجدة من التقدم وتخطي الحد القائم قرب القنصلية العراقية . ليس هذا فحسب ، بل اعتقل الانكليز القائد إبراهيم أبو دية ، وسجنوه عدة ساعات ، وفي الوقت نفسه كانت الطريق مفتوحة أمام النجدات اليهودية من الناحية الشمالية والناحية الغربية .

ومما هو جدير بالذكر أن قوة من الجيش العربي الأردني كانت مرابطة في معسكر العلمين المجاور لم تقم بأي مجهود لانقاذ موقف العرب . وبعد أن احتل اليهود حي القطمون فرض الانكليز على الطرفين هدنة محلية استغلها اليهود وتحصنوا في المواقع التي احتلوها . وقبيل انتهاء الانتداب انطلقوا من هذه المواقع واحتلوا حي البقعة الفوقا ، و حي البقعة التحتا وأجزاء من حي الثوري وأعملوا فيها النهب والسلب عسكريين ومدنيين وعزلت القدس عن بيت لحم والخليل جنوباً ، واتصلت المستعمرات اليهودية جنوبي القدس بتجمع اليهود الرئيسي غربي القدس .

كانت خسارتنا بسقوط القطمون وبقية أحياء القدس الجنوبية كبيرة جداً كما أن خسارتنا في الأرواح من رجال سرية الأبطال ، سرية ابراهيم أبو دية ،كانت كبيرة جداً أيضاً . فقد استشهد معظم رجال هذه السرية ولم يبق على قيد الحياة سوى خمسة عشر رجلاً من أصل رجالها الـ 130 . لقد دافعوا عن أرضهم دفاع الأبطال ولم يسمحوا للعدو أن يمر إلا على جثثهم . أما العدو فقد كانت خسائره أكبر وقدرت بالمئات وقدر عدد المهاجمين بثلاثة آلاف.[١]



مراجع

  1. مذكرات المناضل بهجت ابو غربية1916-1949، في خضم النضال الوطني,مؤسسة الدراسات الفلسطينية،بيروت ،1993