مذبحة دير ياسين

من ذاكرة القدس
اذهب إلى: تصفح، ابحث

مذبحة دير ياسين (4/9/ 1948)

كانت مذبحة دير ياسين ضربة شديدة لمعنويات أهالي منطقة القدس ولا سيما أنها جاءت في اليوم التالي لاستشهاد القائد عبد القادر الحسيني ، وسقوط قرية القسطل .

ودير ياسين قرية صغيرة تقع على بعد كيلو متر واحد غربي مدينة القدس ، وتقوم على مرتفع استراتيجي مجاور لمرتفع القسطل وهو من المواقع العسكرية المهمة في غربي القدس . كان عدد سكانها سنة 1948 لا يزيد على 800نسمة . وكنت أعرف هذه القرية وأهلها جيداً ، فقد اشتهروا بوطنيتهم وشجاعتهم ، وكانوا من خيرة الثوار أثناء ثورة 1936 . كما اشتهروا بأنهم حافظوا على أراضيهم ولم يبيعوا منها شيئاً لليهود على الرغم من أنها محاطة بالمستعمرات الصهيونية ، ورغم جميع الضغوط والمغريات . وكانت تربطني بها روابط متينة ، فقد زرتها مراراً بشكل فردي ، وفي رحلات مدرسية وكشفية ، وتعرفت على عدد من أبنائها كان معظمهم طلاباً في الكلية الإبراهيمية ، أذكر منهم موسى سمور و فؤاد سمور وجمعة وداود . كانت تجاورها وتعزلها عن القدس مستعمرة غفعات شاؤول التي كانت في حقيقتها معسكراً ل منظمة الأرغون العسكرية .وكان أهل دير ياسين يعرفون ذلك جيداً ويشعرون بالخطر الشديد على مستقبلهم . لذلك أخذوا للأمر عدته فجهزوا أنفسهم بالسلاح من مالهم الخاص ، فكان لديهم نحو 60 بندقية ورشاشان من طراز برن وأربعة رشاشات خفيفة من طراز ستن وكمية لا بأس بها من الذخيرة والقنابل اليدوية . وكان جميع المسلحين من أبناء القرية نفسها . كان اليهود يتربصون بأهل هذه القرية وينتظرون الوقت المناسب للانقضاض عليها ، ولكي نعرف خلفية ما جرى في دير ياسين ، وكيف ولماذا أقدمت منظمة الأرغون بقيادة مناحم بيغن على ذبح أهلها ، علينا أن نعود إلى تاريخ نشوء منظمة الأرغون عندما كانت في العشرينات وأوائل الثلاثينات حزباً سياسياً عسكرياً باسم الحزب الاصلاحي (Revisionist) بقيادة مؤسسه جابوتنسكي . وكانت سياسته المعلنة تعتمد استخدام القوة والعنف ضد العرب لارهابهم واخراجهم من فلسطين ، وشعاره صورة رجل يشهر بندقية وهو واقف على أرض فلسطين وشرق الأردن ومكتوب على الصورة (هكذا فقط ) . وقد حافظت منظمة الأرغون على هذا الشعار وعلى هذا النهج الارهابي فيما بعد بقيادة بيغن وشمير .

وفي نيسان /ابريل 1948 جرت مصالحة بين منظمة الأرغون و منظمة شتيرن المنشقة عنها . واتفقت المنظمتان على أن تعلنا الوحدة من خلال معركة تخوضانها معاً وأن تكون المعركة احتلال قرية دير ياسين . وتبين فيما بعد أن الأرغون استأذنت الهاغاناه للقيام بهذه العملية فوافقت على ذلك . واشترطت أن يؤدي الهجوم إلى احتلال القرية ، وحذرت من أن يؤدي فشل الهجوم على دير ياسين إلى تعزيزها بقوات من خارج القرية تجعل احتلالها أكثر صعوبة . فوعدت الأرغون أن تحتل القرية مهما كلف الثمن .

سبق أن ذكرت أنني في ليلة الهجوم على دير ياسين كنت في قرية القسطل ، وراقبت عن كثب عملية الهجوم الذي بدأ بعد منتصف الليل . كما راقبت المقاومة الباسلة العنيفة التي قام بها رجال دير ياسين الشجعان . شن اليهود هجومهم العنيف مستخدمين مدافع المورتر والمصفحات وإحدى الطائرات . وتكسر هجومهم الأول على صخرة المقاومة العنيدة ، ولم تستطع المصفحات اجتياز الحواجز المقامة على مداخل القرية ، فانسحب اليهود وأعادوا تنظيمهم وشنوا هجوماً ثانياً تحول إلى قتال شوارع ، إذ تحصن أهل القرية في منازلهم واستخدموا القنابل اليدوية فأوقعوا باليهود خسائر كبيرة مما اضطرهم إلى الانسحاب مرة ثانية لاعادة التنظيم مخلفين وراءهم عدداً من جثث قتلاهم .

وفي هذه الأثناء وصل بعض أهالي دير ياسين إلى قرية عين كارم القريبة طالبين النجدة فلم يتحرك أحد لنجدتهم ، خلافاً للعادة التي كانت متبعة في فلسطين ، وذلك على الرغم من وجود عدد كبير من المناضلين من جيش الانقاذ في عين كارم كانوا انسحبوا من القسطل وباتوا في عين كارم . وعلى الرغم من أن أهالي عين كارم مشهود لهم بالشجاعة والنخوة ، إلا أن استشهاد عبد القادر الحسيني أحدث احباطاً شديداً في نفوس المناضلين . وفي تقديري أن الهجوم على دير ياسين كان محكوماً عليه بالفشل الذريع لو تحركت هذه القوات من عين كارم لنجدة دير ياسين .وفي أية حال ، احتل اليهود القرية في الهجوم الثاني بيتاً بيتاً وذبحوا عدداً كبيراً من أهلها ذبح النعاج ، أطفالاً ونساءً وشيوخاً ، بدم بارد وبوحشية فظيعة .

ثبت فيما بعد أن قائد قوات الهاغاناه في القدس دافيد شالتئيل وقائد منظمة الأرغون في القدس مردخاي توفمان كانا يشرفان على قيادة المعركة من مستعمرة غفعات شاؤول المجاورة وأن قوات الهاغاناه شاركت في المعركة بالمدفعية ، وتسلمت القرية بعد احتلالها .ووصل عدد من أهالي دير ياسين الذين نجوا من المعركة إلى عين كارم فالقدس ، والتقيت بعضهم فوصفوا لي قسوة المعركة وبشاعة الفظائع التي ارتكبها اليهود . وأكدوا لي أن عدد القتلى اليهود كان كبيراً جداً ، وقدروا عدد القتلى العرب بأربعمئة قتيل . كما قابل بعضهم الدكتور حسين الخالدي ممثل الهيئة العربية العليا في القدس وذكروا له مثل هذه المعلومات . ونقل مندوب الصليب الأحمر الدولي الدكتور دي رينيه الذي زار القرية مثل هذه المعلومات . وبناءً على ذلك أذاع الدكتور حسين الخالدي بياناً عن المذبحة تضمن هذه المعلومات والفظائع الهمجية التي ارتكبها اليهود ، وكان غرضه التشهير باليهود وتحريك النخوة العربية . إلا أن النتيجة العملية كانت سلبية فنشرت الرعب وساعدت على الترحيل.

نحو الساعة التاسعة من مساء اليوم الثالث للمذبحة وبينما كنت في مقر قيادتي في حي المصرارة اتصل بي الاستحكام رقم 4 بهاتف الميدان وأخبرني أن عدداً كبيراً من النساء والأطفال يظهر أنهم من العرب يتقدمون نحوه من مدخل حي ميئه شعاريم قرب المستشفى الايطالي . وسأل : ماذا نعمل؟ قلت : اصرخ فيهم طالباً عدم التقدم وثبتهم إلى أن أصل .وركضت نحو هذا الاستحكام القريب من مقر قيادتي فوجدتهم واقفين على بعد قريب جداً وهم يصرخون : " نحن من دير ياسين " .وكل شيء يشير إلى أن ذلك هو الحقيقة ، فطلبت منهم أن يدخلوا الحي ، وكان عددهم نحو 200معظمهم من النساء والأطفال بحالة تقشعر لها الأبدان . فأدخلتهم إلى إحدى المدارس ومنعت الاختلاط بهم إلا لمن يقدم لهم الطعام والماء ، وتفقدت أحوالهم وسألتهم عما جرى لهم فقالوا أن اليهود أخذوهم من منازلهم وقتلوا رجالهم أمام أعينهم ثم طافوا بهم في الأحياء اليهودية في أوضاع مزرية يندى لها الجبين .وأثارت اهتمامي إحدى النساء ، فقد كانت تولول وعلى وجهها مظاهر الرعب الفظيع ، وتمسك يد طفل في العاشرة كأنها تخشى أن تفقده ، ولما استفسرت عن أحوالها قالت : بعد انتهاء المعركة اخرجنا اليهود من بيتنا وقتلوا زوجي وابني الكبير أمام عيني وتركوا لي ولدين هذا الذي تراه واسمه عزمي وأخاه الذي يكبره بسنتين . وعندما وصلنا إلى منطقتكم وقبل أن ندخل إلى عندكم بدقائق جاء عسكري يهودي وأخذ ابني من يدي وقال : هذا كبير لماذا ابقيتموه ، ثم أطلق النار وقتله أمامي وأمام الجميع . فواسيتها بقدر ما استطعت ، ثم اتصلت ب اللجنة القومية لمدينة القدس لاتخاذ الترتيبات اللازمة لنقل اللاجئين إلى مكان آمن والحيلولة دون اختلاطهم بأهل المدينة إلى أن يهدأ روعهم . وفي اليوم التالي سلمتهم للجنة القومية ، وتسربت أخبارهم فأساءت إلى الروح المعنوية . وتبين أن أهل دير ياسين الذين نجوا من المعركة عن طريق عين كارم كانوا يعتبرون كل المفقودين قتلى بمن فيهم هؤلاء ، لذلك انخفض تقدير عدد القتلى من 400إلى 200 وأكد لي من أثق بهم من أهل القرية فيما بعد أن عدد القتلى العرب كان نحو 90 وأن عدد قتلى اليهود كان يقرب من ذلك . وأخيراً لا بد أن أشير إلى أن الطفل عزمي المذكور رعته الكلية الابراهيمية في القدس حتى كبر ، وأن سيدات القدس برئاسة السيدة هند الحسيني ، رعين جميع أطفال دير ياسين في مدرسة دار الطفل العربي .[١]


صفحات ذات علاقة


مراجع

  1. مذكرات المناضل بهجت ابو غربية1916-1949، في خضم النضال الوطني,مؤسسة الدراسات الفلسطينية،بيروت ،1993