الهجوم على قائد شرطة القدس البريطاني آلن سيكرست وقتله

من ذاكرة القدس
اذهب إلى: تصفح، ابحث

الهجوم على قائد شرطة القدس البريطاني آلن سيكرست وقتله

ما زال عدد من أهالي القدس الأحياء يذكرون قائد شرطة القدس الانكليزي سيىء الذكر آلن سيكرست ووحشيته في معاملته للعرب والاعتداء عليهم .ولا بد أن بعض من كانوا يومها أطفالا يذكرون أنهم كانوا بعد الهجوم يهتفون في مظاهراتهم فرحين " سيكرست مات ! سيكرست مات ما خلف ولا بنات " . في تلك المظاهرات الطريفة ، كان الأطفال يضعون على رؤوسهم خوذاً من الصحون المعدنية ويحملون السيوف الخشبية ويتظاهرون في الشوارع بالمئات وهم يهتفون ضد الاستعمار ويرددون هتاف سيكرست مات .

كان هذا الضابط استعمارياً قذراً ، شديداً عربيداً ، أراد أن يذل شبان القدس وأن يرهبهم . وازداد شراسة بعد الهجوم على سينما أديسون وبخاصة بعد قتل الشرطي البريطاني بيرد في شوارع القدس القديمة . فعزز نقاط التفتيش على أبواب سور القدس القديمة ، ورافق هذا التفتيش ضرب واهانات ، كما سير دوريات كثيفة في الشوارع والأسواق تجبر الناس عندما تمر الدورية في الشوارع ، وبعضها مكتظ مثل سوق خان الزيت ، أن يقفوا إلى جانبي الشارع مؤدين التحية للدورية ، ولسبب أو من دون سبب ينهالون على الشبان والمارة بالعصي أو بالأرجل أو باللكمات .

كان سيكرست يتجول يومياً في الشوارع بسيارته الموريس الصغيرة ، وخلفها سيارة حراسة ، وكلما رأى شاباً أو أكثر يسيرون في الشارع يتوقف وينهال عليهم ضرباً بعصاه وبيديه وبرجليه من دون أي سبب ، حتى أصبحت الشوارع التي يمر بها تخلو من المارة كلما ظهرت سيارته المعروفة من بعيد ، فيتراكض الناس ويدخلون إلى الدكاكين أو العمارات القريبة بأسرع ما يمكن ، ومن يتخلف منهم لا بد أن يناله الضرب حتى تكسر يده أو ساقه أو رأسه .

ولا أزال اذكر حادثة جرت أمامي قرب كلية شميدت للبنات ب باب العمود حيث وصلت سيارة سيكرست . وكان الشارع مفروشاً بالمسامير التي كنا نلقيها بكثرة لعرقلة الدوريات ، فجعل يوقف كل مار ويطلب منه أن يلتقط المسامير ، مع اتحافه ببعض اللكمات أو ضربات الهراوات ، وصدف أن خرج من عمارة شميدث ــ وكانت تشغلها دائرة السكرتير العام ، أي رئاسة الحكومة ــ موظف عربي أنيق يشغل وظيفة قائمقام ، وهو السيد خلوصي الخيري ، فطلب منه سيكرست أن يلتقط المسامير عن الأرض ، فقال له بانكليزية فصيحة : أنا قائمقام . وقبل أن يتم جملته انهال عليه سيكرست ضرباً، وطار طربوشه الأنيق ليتدحرج نحو باب العمود وشرع يلتقط المسامير معي(بهجت ابو غربية) ومع من كانوا مارين .

وكثرت الاحتجاجات على فظاعة سيكرست وغطرسته مما دعا الأستاذ عوني عبد الهادي أمين سر اللجنة العربية العليا إلى أن يقابل السكرتير العام مرتين للشكوى من دون جدوى .

وقدم القائمقامون خلوصي الخيري و نظيف الخيري و نقولا سابا و وديع منطورة شكاوى ضده على انفراد، فلم تصغ السلطة لشكاويهم . وابرق الأستاذ شكري قطينة في أثر الاعتداء الوحشي على أخيه صبحي الذي أدى إلى كسر جمجمته وتشويه وجهه ودخول المستشفى بالبرقية التالية : " المندوب السامي ــ القدس . وحشية سيكرست ألقت بأخي طريحاً في المستشفى بجراح خطرة . إذا لم تؤدبه الحكومة وتقطع يده التي اعتدت على الأبرياء فسنؤدبه نحن ومرحى للموت خلاصاً من ظلمكم " .

أنا شخصيآ ضربني أربع مرات : الأولى ب باب العمود والثانية ب باب الخليل ، والثالثة في شارع مأمن الله والرابعة وكانت أقساها في حي المصرارة ، عندما انفرد بي وكان الشارع خالياً ولم أهرب عندما شاهدت سيارته المعروفة . أوقف سيارته وفتشني ، ثم نزل من السيارة وفتشني ثانية ، ثم كال لي اللكمات ( الشلاليط) ، وطار طربوشي يتدحرج على الأرض . ومع ذلك لم أهرب أمامه فغاظه ذلك وشهر مسدسه وقال : "اذهب وإلا أطلقت عليك النار " Go or I ʼll Shoot you فأخذت طربوشي عن الأرض وسرت لاعناً متوعداً وأقسمت أن أقتله وأن (أشلحه) مسدسه الذي شهره علي .

بعد ذلك بنحو أسبوع كان رفيقي سامي الأنصاري يسير مع بعض أصدقائه في شارع المحطة ، فأوقفتهم دورية للشرطة البريطانية وفتشتهم ، وضربوا سامي ضرباً مبرحاً مهيناً .

فجاء في اليوم التالي إلى بيتي وسأل عني ، ولم أكن موجوداً هناك . ولما علمت بحضوره ذهبت إليه فروى لي حادثة ضربه وقال : اقترح أن نقوم حالاً بالهجوم على مركز شرطة الانجليز (الترافيك ) في شارع يافا لننتقم منهم ، ونقتل من نقتل وليكم بعدها ما يكون . فأقنعته أن أفضل هجوم يجب أن يوجه إلى سيكرست نفسه لأنه هو الذي سن هذه السنة ، وقتله فقط هو الذي يوقف هذا البلاء . فوافق على ذلك ، وشرعنا نراقب سيكرست لنهاجمه في أنسب مكان . راقبته يومياً قرابة شهر واكتشفت أنه في كل يوم جمعة ، ونحوالساعة الحادية عشرة يتوجه بسيارته التي يقودها بنفسه للتفتيش على مخفر باب الأسباط من دون أن ترافقه سيارة الحراسة ، ومعه حارس واحد يجلس إلى جانبه . فأخبرت سامي وقررنا أن نهاجمه عند مدخل حي وادي الجوز عند عودته من تفتيش مخفر باب الأسباط . وهذا المكان مناسب للهجوم لأن سيارته الصغيرة تكون صاعدة صعوداً صعباً فتكون بطيئة ، ويجري الهجوم عند مفترق طرق . ولا يعيبه إلا أمر واحد هو أنه لا يبعد أكثر من مئة متر عن باب المتحف الفلسطيني حيث يوجد حاجز عسكري في مدخل المدينة لتفتيش السيارات .

وحددنا يوم الهجوم وتفاصيل الخطة . وفي صباح 12/حزيران / يونيو 1936 توجهت إلى مكان اللقاء . ولما تأخر ذهبت إلى بيته فالتقيته قرب البيت وكان والده الشيخ إبراهيم الأنصاري ماراً ورآنا معاً . ذهبنا في الوقت المحدد إلى مقبرة باب الأسباط وكمنا في مكان ملائم قرب برج اللقلق ، ونحو الساعة الحادية عشرة رأينا سيارة سيكرست تمر متجهة إلى مخفر باب الأسباط ، وكان من عادته أن يعود حالاً بعد التفتيش ، فنزلنا إلى الشارع العام (طريق أريحا) حيث طلوع ستنا مريم عند مفترق وادي الجوز ، الطور، كرم الشيخ . كان سامي ممسكاً بمسدسه الجاهز للاطلاق وقد دسه مع يده في جيبه ، وأنا أمسك بمسدسي جاهزاً للاطلاق وقد غطيته مع يدي بطربوشي فقط . وأقبلت السيارة ، وكنا نسير في وسط الطريق وكأننا في نزهة إلى أن وصلت السيارة صاعدة عقبة ستنا مريم ببطء . كنا نسير إلى يسار السيارة إلى الجانب الذي فيه سيكرست وكان يقودها بنفسه وإلى جانبه الحارس ، وكنا اتفقنا أن نوجه نحن الاثنين النار إلى سيكرست أولاً ثم إلى الحارس باعتبار أن الحارس مسلح ببندقية ولا يستطيع أن يستعملها وهو في داخل السيارة . كما اتفقنا أن نقترب جداً من السيارة وأن لا نسرع في الرمي خشية أن يضيع رصاصنا في جسم السيارة .

وصلت السيارة إلى محاذتنا فبدأنا أنا وسامي اطلاق النار على سيكرست من مسافة متر واحد ، فأصيب فوراً ، وألقى برأسه وجسمه إلى الخلف رافعاً يديه عن المقود ، كما رفع قدمه عن البنزين فتوقفت السيارة ، ثم راحت تنحدرإلى الخلف لشدة انحدار الطريق . إلا أن عدة مفاجأت جرت تباعاً : فاجأنا حارسه باطلاق النار من مسدس كان بيده وبدأ الرمي في اللحظة نفسها التي بدأنا فيها الرمي . والظاهر أنه اشتبه بحركتنا وسيرنا في وسط الطريق فهيأ مسدسه قبل أن يصلنا . وبعد اطلاق رصاصتنا الأولى ارتد سامي إلى الخلف قليلاً وهو يطلق النار بسرعة غريبة خلافاً لما اتفقنا عليه وصاح (طخ بهجت طخ ) وأفرغ مسدسه بسرعة فائقة واتجه راكضاً نحو وادي الجوز مع أننا كنا اتفقنا أن ننسحب إلى كرم الشيخ . وفي هذه اللحظة بقي في مسدسي ثلاث رصاصات بعد أن أطلقت على سيكرست أربع رصاصات ، فبدأت أطلق النار على الحارس وهو يطلق النار علي والسيارة تنحدر إلى الخلف منحرفة إلى جانب الوادي وأنا اتابعها ويدي اليسرى على جناحها الأمامي الأيسر . وكانت رصاصتي قبل الأخيرة موجهة إلى الحارس من خلال زجاج السيارة الأمامي ، ولدهشتي لم تحطم الزجاج وانزلقت عنه .

وأطلق الحارس علي أيضاً من خلال زجاج السيارة الأمامي فتحطم فأعطاني فرصة لأطلق عليه آخر رصاصة في مسدسي ، فأصابته واستدرت لأنسحب فوقعت أرضاً بسبب وجود كثير من الحصى على الأرض المنحدرة ، ثم نهضت وانسحبت متجهاً إلى طريق الطور قرب المسلخ لأنني رأيت من بعيد قافلة عسكرية تحرس قافلة سيارات شركة بوتاس البحر الميت مقبلة وقدرت أن الانسحاب إلى طريق المسلخ أسلم . وبذلك سرت في طريق غير الطريق التي سار فيها سامي وكان غاب عن نظري . وتدهورت سيارة سيكرست وهو فيها وسقطت إلى يمين الطريق من علو أربعة أمتار .

بعد أن ابتعدت قليلاً عمرت مسدسي من جديد ، وسرت مطمئناً إلى أن سامي ابتعد بسلام ، وأصبح في أمان وأن علي أن أتدبر أمري لأسلم أنا أيضاً . ومشيت في طريق متعرجة عائداً إلى وادي الجوز فحي باب الساهرة فالمصرارة ، وعندما شعرت أنني أصبحت في أمان نسبي. وداومت السير إلى الباب الجديد ودخلت البلدة القديمة ووصلت بيتنا في حي السلسلة درجة الطابونة وغيرت ملابسي ، واتجهت إلى المسجد الأقصى برفقة أخي نهاد لأداء صلاة الجمعة .وقبل أن نصل إلى المسجد سمعنا الناس يتحدثون عن الهجوم ويقولون أن أحد المهاجمين قتل وجرح الآخر لكنه انسحب ، وأن سيكرست قتل وحارسه جرح .

وتساءلت هل قتل سامي حقاً ولم يكن ذلك خطر على بالي بتاتاً . وعرفت ، فيما بعد ، أن سامي أصيب منذ بدء الهجوم برصاصة اخترقت صدره من اليمين إلى اليسار فمزقت رئتيه ، وأدركت أنه بسبب ذلك ارتد إلى الخلف وأفرغ مسدسه بسرعة ، متحاملاً على نفسه ، وساعده أحد المارة وأدخله أول بيت صادفه ، إلا أن القوة العسكرية التي تحرس قافلة البوتاس والتي وصلت إلى مكان الحادث بسرعة شاهدته يدخل البيت فداهمت البيت فوراً وقبضت عليه وهو مازال حياً ، فحمله الجنود البريطانيون ورموه في سيارة شحن ونقلوه إلى سجن مستشفى الحكومة في المسكوبية من دون اسعاف. كما قاموا في الوقت نفسه بنقل سيكرست وحارسه .

عدت بعد الصلاة إلى البيت ، وفي الطريق سمعت اسم سامي الأنصاري يتردد على ألسنة الناس ، وأنه مازال حياً ولكنه مصاب بجراح مميتة . وكانت والدتي رحمها الله تعتبر سامي ابنها فبكت عليه بحرقة ، وبكى إخوتي أيضاً ، وتساءلوا من الذي كان مع سامي ؟ وهم يعرفون وكل من يعرفني أيضاً أننا لا نفترق ، فحيث يوجد سامي يوجد بهجت . وكان أخي نهاد وحده يعرف ا لحقيقة ، ومعنى ذلك أن أمري ربما يكشف ، فما العمل ؟ تجلدت وأنكرت أني كنت مع سامي ورحت أطرح الأسئلة على الناس عمن كان مع سامي قبل أن يسألوني هم . ونزلت من البيت إلى النادي الإسلامي أكرر الموقف نفسه ، أسأل أصدقاءنا عمن كان مع سامي . واقترح بعض الأصدقاء من أعضاء النادي أن نذهب إلى المستشفى لزيارته ، ولكنني تملصت بحجة أن سامي ربما يكون في غرفة السجن ولا يمكن رؤيته .

هرع أركان البوليس والمباحث إلى المستشفى يحققون مع سامي قبل أن يفارق الحياة ، وكان يعاني سكرات الموت ويردد بالعربية والانجليزية : لم يكن معي أحد . واغتنم فرصة فأسر لأخيه بعض الكلمات ، كان رحمه الله يسأل عن مصيري !!

وفارق الحياة رحمه الله بعد نحو ثلاث ساعات من اصابته . وكانت القدس مضطربة فرحة وحزينة في آن . وأقر دفنه مساء اليوم نفسه بعد أن يصلى عليه في المسجد الأقصى ، على الرغم من أن ذلك يتعارض مع أوامر منع التجول التي كانت مفروضة عند الغياب . وامتلأ المسجد بالمشيعين متحدين أوامر منع التجول . وحضرت الصلاة مع الجماهير الغفيرة وسمعت خطباً تأبينية في ساحة المسجد ، وشاركت في الجنازة وشاهدت جثمانه الطاهر يوارى ثرى القدس الشريف في مقبرة باب الأسباط . وساعد ذلك في تبديد الشبهة عني ، ولا سيما أن معظم الناس اعتقدوا أن رفيق سامي جرح ، وذلك لأني ، كما ذكرت سقطت أرضاً ، ورآني البعض وأنا أسقط .

صدر بعد ظهر ذلك اليوم بلاغ رسمي أذيع من الاذاعة ، يصف الحادثة وهذا نصه :

" جرت قبل ظهر اليوم محاولة للقضاء على حياة المفتش آلن سيكرست ، فبينما كان يقود سيارته عائداً من باب الأسباط هاجمه شابان كانا مختبئين تحت مستوى الطريق ، وافرغا مسدسيهما على السيارة فأصيب المفتش بجراح خطيرة في صدره وكتفه وجرح حارسه جرحاً بسيطاً ، وأطلق الحارس النار على المهاجمين فأصاب أحدهما بجراح مميتة وتمكن الآخر من الهرب ".

كذبوا والله ! لم نكن "مختبئين تحت مستوى الطريق " .كنا نسير في وسط الطريق تماماً ، ولا حتى إلى جانبها ، كنا واقفين ( بطولنا ) على بعد متر من السيارة وهي تعبر إلى جانبنا عندما بدأنا باطلاق النار . وكذبوا أيضاً عن سيكرست ؛ شاهدته بعيني عندما أصيب فتوقفت فيه الحياة ثم تدهورت به السيارة وسقطت من علو أربعة أمتار مما أدى ــ كما علمنا فيما بعد ــ إلى كسر العمود الفقري . وبذلك أستطيع أن أجزم أنه قتل وأن البلاغ حاول أن يخفف من وقع الحادثة . في أية حال لم تر القدس فيما بعد وجهه البغيض . وهتف أولادنا في مظاهراتهم " سيكرست مات ! سيكرست مات ما خلف ولا بنات ! وأدت هذه الحادثة إلى رفع المعنويات وتخفيف اجراءات رجال البوليس وتصرفاتهم .[١]


صفحات ذات علاقة


مراجع

  1. مذكرات المناضل بهجت ابو غربية1916-1949، في خضم النضال الوطني,مؤسسة الدراسات الفلسطينية،بيروت ،1993